Loading alternative title

الصّنم الذي هوى

تاريخ النشر: 2018-07-06 || 08:49

الصّنم الذي هوى
علي بوراوي كاتب صحفي ومحلل سياسي

علي بوراوي

كاتب صحفي ومحلل سياسي

كتب على بوراوي 

وأخيرا أجريت الإنتخابات البلدية في تونس، بعد محاولات كثيرة أرادت منعها وتعطيلها. وانتزع أبناء الشّعب عددا غير قليل من المواقع التي كانت محرّمة عليهم. حرّمتها عليهم سلطة الإستبداد، ونخبة أفرزتها دولة الإستبداد، وأحكمت بها قبضتها على مفاصل الدولة، وتواطأت معها في التّرويج لمغالطات كثيرة، حفاظا على مواقع لهم ومصالح درجوا على الإستئثار بها دون غيرهم من التّونسيّين.

نحج أبناء الشّعب في انتزاع رئاسة البلديات في أغلب المجالس، وكان التّتويج يوم الثلاثاء 3 جويلية ببلدية العاصمة، بانتخاب سعاد عبد الرحيم رئيسة لها.

هكذا انتخبت لأوّل مرّة في تاريخ تونس امرأة لرئاسة بلدية العاصمة، قادمة إليها من حيّ منّوبة الشّعبيّ، ومن تجربة ثريّة في العمل التطوّعي الخيري، وتتحدّث مع من حولها باللغة العربية، رغم أنّها تتقن الكلام بغيرها. سيدة تحمل شهادة الدكتوراه في الصيدلة، ولكنّها ليست من أسرة أرستقراطية. فقد  نزح جدّها من مدينة المطوية المجاورة لقابس، واستقرّ في تونس. ترأست قائمة حزب سياسي كانت مؤسسات الدولة لوقت قريب تتعقّب عناصره وتمنعهم من حقوقهم الدنيا، ويتبجّح "النّافذون" في الدولة بتنويع صور التّنكيل بهم، وبمنعهم من العلاج في المستشفيات العمومية، ومن الدراسة في المؤسسات الجامعية، وتعقّبهم في مختلف مناحي الحياة، بداية من حريتهم الشّخصية.

هذا حال مناضلي حركة النّهضة التي نالت في الانتخابات البلدية المرتبة الأولى. وكان يمكن للمهندس كمال المطماطي رحمه الله، الذي قتله نظام زين العابدين بن علي في إحدى غرف التّعذيب، ووضع جثّته الطاهرة في ترسانة إسمنت بأحد جسور العاصمة، كان يمكن – لو بقي حيا – أن يترشّح ويفوز برئاسة بلدية مدينة قابس التي فيها بيته وأسرته.

نجح في انتزاع رئاسة البلديات، آخرون من غير أبناء حركة النّهضة، منتمون إلى أحزاب وغير منتمون، أفلتوا من قبضة النّخبة المتغرّبة ودكتاتوريتها، وتماهوا مع نبض الشّعب ومطالبه ومشاغله، والتحموا مع القاعدة الشّعبية الواسعة، فمنحتهم ثقتها. قدِموا من قاع الحرمان والنّسيان والتّهميش، وانتزعوا مكانهم بجدارة.

 نعم، نجح أبناء "تونس السّفلى"، أو "تونس غير النافعة"، أو "تونس الهامش" في كسر الطّوق الذي أقامته حولهم دولة الإستبداد وثقافة والإستبداد ونخبة الإستبداد، فالتحموا بالشّعب، وتصدّروا لتسيير الشأن المحلّي في مختلف مدن تونس وقراها وأريافها، وفي مدنها الكبرى بما فيها العاصمة.  

وهوى صنم منظومة الإستبداد، وانهار، وتفكّكت حلقاته، وفقد السّيطرة على مفاصل الدّولة، واهترأت قنوات الصرف التي فيه، وأكل الصّدأ أجزاء منها، وترسّبت أوحال الفساد في أجزاء أخرى فشلّت حركتها وسدّت مساربها.

نعم بقيت من هذا الصّنم الغشيم أجزاء قليلة تحاول الفعل والتأثير، فنالت بعض البلديات التي مازالت لثقافة الإستبداد ونخبة الإستبداد فيها حضور وبعض قوّة، ولكنّها متّجهة إلى الإنحسار وليس التمدّد، ونهايتها مسألة وقت فحسب. فقد عرف الشّعب طريقه، وأنّى لثقافة الإقصاء والتعالي عن عامة أبناء الشّعب أن تتمكّن وتكون لها الغلبة. ذلك أنّ العقل الإقصائي المتعالي على هوية الشّعب وثقافة الأمّة، آحادي الرّؤية، يمقت التنوّع والتعدّد إلاّ بما تسمح به مقاييس من استعمر عقله وصاغ فكره. وهو بذلك استبدادي بطبعه. وصنم الإستبداد يهوي بسرعة إذا استرجع الشّعب إرادته وانتزع حريته.

نخبة دولة الإستبداد

لم يكن إسناد المسؤولية السياسية وإقرار المكانة الثقافية والفكرية يخضع لشروط موضوعية طيلة حكم دولة الإستبداد، وإنّما هي تُمنح وفق شروط ومواصفات غير معلنة، ولكنّها معلومة من الجميع.

من بين أهمّ هذه الشّروط، أن يكون المعنيّ بالأمر "بلدي" و "حداثي". صفة "بلدي" لا تنحصر في الإنتماء الجغرافي فحسب، بل تشمل بالخصوص الإنتماء الإجتماعي والثقافي، إضافة إلى الجغرافي الذي ينحصر في المدينة، وطوّرها النّظام البورقيبي لتتنصّل من البُعدين العربي والإسلامي، أو تحتفظ بهما بصورة هي أقرب إلى الديكور الذي لا أثر له. أمّا انتماءها الاجتماعي، فيقتضي المفاصلة مع المجتمع في مختلف قضاياه وهمومه، وأن تحافظ على روابط متينة وأحيانا عضوية، مع مشاغل المستعمر وتطلّعاته.

وتقتضي صفة "حداثي" تمثّل المفهوم الفرنكفوني للحداثة، بما يقتضيه من غياب صفة التديّن، أو على الأقل أن تكون نائمة لا تفعل ولا تتفاعل.

وقد خضع لكلا الشرطين معظم رجال الحكم، وعناصر النّخبة التي يستعين بها الحاكمون في شؤونهم، ويقدّمونهم في المنتديات والمجالس.

وعندما كان لا مناص من توفّر عنصر التّديّن والعلم الديني في وظيفة المفتي، كان من شروط القبول بالمرشّح لتلك الوظيفة أو المكانة، اقتصار النشاط في المجال الديني دون غيره، حفاظا على مفهوم للدّين والتديّن رسّخه المستعمر وحافظ عليه من تولّوا الحكم بعد استقلال البلاد.

لذلك، دُفع فضيلة الشيخ محمد الفاضل بن عاشور إلى الانسحاب من قيادة الإتحاد العام التونسي للشغل، رغم أنّه تولّى رئاسته عند تأسيسه في جانفي 1946. كما تمّ إنهاء عضويته في الديوان السياسي للحزب الحر الدستوري الحاكم، خوفا من تأثيره فيه. 

على هذا النّهج سار الرئيس بورقيبة رحمه الله طيلة حياته. وعلى نفس النّهج واصل رجال الدولة من بعده.

فخلال فترة واحد وثلاثين عاما (31) من حكم بورقيبة، لم يتولّ الوزارة أيّ من خريجي الزيتونة، سوى وزير واحد، رغم أنّ المؤسسة التعليمية الوحيدة التي كان يؤمّها التونسيون وقتها هي جامع الزيتونة. هذا الزيتوني الوزير هو محمد الصالح العياري الذي تولى وزارة العدل، وعندما تفطّن بورقيبة إلى أنّه زيتوني، أعفاه من المهمّة.

وفي الثّمانينيات، عندما لان بورقيبة وقرّر القبول بوجود معارضة سياسية، كان اختياره الأوّل على الحزب الشيوعي، ثم منح الإعتراف الرسمي بعد ذلك لحركة الديمقراطيين الإشتراكيين بزعامة الأستاذ أحمد المستيري، الذي ينحدر من عائلة "بلدية" ثرية من العاصمة.

ومازال البعض يرى أنّ من أسباب رفض بورقيبة، والنخبة الحاكمة، الإعتراف والتعامل مع حركة النهضة (الإتجاه الإسلامي سابقا)، إلى غلبة صفة التديّن فيها، وغياب "البلدية" عن قيادتها. فجمعت بذلك أسوأ صفتين تمنعانها من دخول نادي النّخبة التونسية.

أمّا إذا ولّينا وجوهنا إلى النخبة النسائية التي قدّمها حكّام تونس وتعاملوا معها، فإنّ من أهمّ الشروط التي يجب أن تحضر فيها، شرط "الحداثة" أوّلا، بالمفهوم الذي ذكرناه سالفا للحداثة.

وعندما جاءت الصّحوة الإسلامية، وظهرت الفتيات والنساء المحجّبات في تونس، اختارت السلطة الحاكمة التعامل معهنّ بلغة الإلغاء والإقصاء ثمّ التنكيل، رغم أنّ ارتداء الحجاب وقتها، كان محصورا في المثقفات والمتعلّمات.  

لذلك، منعت المحجّبات من دخول قصر الرئاسة، ومن مختلف المناسبات الرسمية الهامة، مهما كانت درجة تميّزها، ومجالها.

ورغم ما تعرّضت له النّساء والفتيات المحجّبات من تنكيل وحرمان من أبسط الحقوق في آخر عهد بورقيبة وكامل فترة حكم بن علي، فإنّ الأصوات التي استنكرت ذلك من عناصر النّخبة كانت جدّ قليلة. بل إنّ جمعية "نساء ديمقراطيات" رفضت بكلّ وضوح اعتبارهنّ ضحايا، وامتنعت بصورة معلنة عن الدفاع عن حقوقهنّ.

فقد أحصت هيئة الحقيقة والكرامة أكثر من خمسة آلاف حالة انتهاك جنسي اقترفها نظام الإستبداد ضد المحجبات بالخصوص، أغلبها حالات اغتصاب، وأزيد من ثمانين حالة إرغام على الطلاق. ولكنّ "الحداثيات والحداثيين والديمقراطيات والديمقراطيين" رفضوا بوضوح وإضمار الدفاع عن هؤلاء واعتبارهنّ ضحايا، رغم استنجاد هؤلاء المعذّبات بهم، لسبب وحيد ومعلن للعموم، هو أنّهنّ متديّنات، أو لهنّ انتماء سياسيّ. كان ذلك في الوقت الذي كان فيه هؤلاء "انسجاما مع الحداثة والديمقراطية" حسب فهمهم، يتسابقون في الدّفاع عن حقوق المثليين، وعن واجب معاقبة الزّوج إذا "اغتصب" زوجته وأمّ أبنائه، ويستميتون في النّضال لمنع ختان الإناث، وكأنّها قضية التونسيين الأولى، والحقيقة أنّ معظم التونسيين لم يسمعوا بختان الإناث إلاّ من هؤلاء.

الإلتحام بهموم الناس وقضاياهم

لقد اكتشف التّونسيّون أنّهم كلّما خاضوا معركة وانتصروا فيها، دفع المستضعفون ثمنها بسخاء من دمائهم وخبزهم اليومي، وأسرعت نخبة الإستبداد إلى جني ثمارها بدلا منهم، بتواطئ مع حكم الإستبداد لم يعد خافيا. فانطلقوا في الإفلات من قبضة النّخبة المتغرّبة ودكتاتوريتها، بعد التّخلّص من حكم الإستبداد الذي صنعها ومكّن لها. وأعادوا ترتيب الولاء والبراء، ليكون الإنتماء الاجتماعي هو المقياس الأوّل، والإعتزاز بالهوية وعدم النّيل منها، شرطا ثانيا. واكتشفوا أيضا، أنّ هؤلاء كانوا يتوارون خلف عناوين إيديولوجية وثقافية خادعة، سرقوا باسمها نضالات أبناء الشّعب المستضعفين، وابتزّوهم بها لعقود طويلة.

لذلك، مثّلت نتائج الإنتخابات البلدية صدمة عنيفة لفئة أدمنت الإستئثار بسلطة القرار، والإستهانة بمعاناة الشعب ومطالبه. فقد عرّت الثّورة تطرّفهم، وكشفت حقيقة ولائهم. فإذا بعقولهم وأفئدتهم متعلّقة بمن وراء البحر، وليس بمن في أرض تونس.

وانتزع عضوية المجالس البلدية، بل رئاستها، في مدن كبرى وأحياء راقية، أشخاص كانوا يعدّون من تونس السّفلى، أو تونس غير النافعة، أو تونس الهامش. كانوا مبعدين عن إدارة الشأن العام عقودا طويلة، لأنّهم قادمون من قاع الحرمان والنّسيان والتّهميش، ولا يحسنون لغة الإستعلاء عن قومهم والإقصاء لمن خالفهم.

  • شارك على:
354
 نقابة الوعاظ التابعة لاتحاد الشغل تؤكد رفضها القطعي لتقرير لجنة الحريات الفردية بعد أن تغنى بها الشعراء..اليونسكو تعترف بمدينة الزهراء تراثا عالميا للإنسان 

آخر الأخبار

إستطلاع رأي

إثارة مسألة الميراث وزواج المسلمة من غير المسلم: هل تحقق مصلحة للمجتمع، أم تشوّش على أولوياته؟

تحقق مصلحته
تشوّش على أولوياته
النتائج